الشيخ المفيد
14
الإرشاد
شاملة ، فلم يثق به الحسن عليه السلام وعلم احتياله بذلك واغتياله ، غير أنه لم يجد بدا من إجابته إلى ما التمس ( من ترك ) ( 1 ) الحرب وإنفاذ الهدنة ، لما كان عليه أصحابه مما وصفناه من ضعف البصائر في حقه والفساد عليه والخلف منهم له ، وما انطوى كثير منهم عليه في استحلال دمه وتسليمه إلى خصمه ، وما كان في خذلان ابن عمه له ومصيره إلى عدوه ، وميل الجمهور منهم إلى العاجلة وزهدهم في الآجلة . فتوثق عليه السلام لنفسه من معاوية لتأكيد الحجة عليه ، والإعذار فيما بينه وبينه عند الله عز وجل وعند كافة المسلمين ، واشترط عليه ترك سب أمير المؤمنين عليه السلام والعدول عن القنوت عليه في الصلوات ، وأن يؤمن شيعته رضي الله عنهم ولا يتعرض لأحد منهم بسوء ، ويوصل إلى كل ذي حق منهم حقه . فأجابه معاوية إلى ذلك كله ، وعاهده عليه وحلف له بالوفاء به . فلقا استتمت الهدنة على ذلك ، سار معاوية حتى نزل بالنخيلة ( 2 ) ، وكان ذلك يوم جمعة فصلى بالناس ضحى النهار ، فخطبهم وقال في خطبته : إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا ، إنكم لتفعلون ذلك ، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون . ألا وإني كنت منيت الحسن وأعطيته أشياء ، وجميعها تحت قدمي لا أفي بشئ منها له .
--> ( 1 ) في " ش " : منه وترك . ( 2 ) النخيلة : موضع قرب الكوفة " معجم البلدان 5 : 278 " .